كتبت النهار
تشكل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية في التاسع من الجاري محطة مفصلية لما يواجهه لبنان من تحديات تطال وضعه الداخلي وعلاقاته الخارجية وبنيته وتوازناته. هي جلسة ترتبط أيضاً بتطبيق اتفاق وقف النار بين "حزب الله" وإسرائيل، إذ إن مهمة الرئيس بالنسبة إلى المجتمع الدولي هي العمل على تثبيت الاستقرار وتطبيق الاتفاق جنوباً ومعه القرار 1701، بما في ذلك سحب السلاح من جنوبي الليطاني، إضافة إلى دوره في إعادة الإعمار. ولذا يشهد لبنان حراكاً ديبلوماسياً دولياً وعربياً يترافق مع ضغوط لإنجاز انتخاب الرئيس بالمعايير المطلوبة.
لن يكون الانتخاب خارج الأجندة التي حددتها الأطراف الدولية ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا، إضافة إلى الحراك السعودي الأخير برئاسة الأمير يزيد بن فرحان الذي طرح وفق المعلومات اسم قائد الجيش جوزف عون. ويفترض أميركياً أن يسهم المبعوث الرئاسي آموس هوكشتاين، في بلورة الوجهة من دون أن يشير ذلك إلى أن الأمور سالكة في الجلسة الانتخابية نظراً للتعقيدات القائمة وأيضاً برفض الثنائي الشيعي اسم عون، في ظل حديث عن سيناريوات لإيصال مرشح لم يكشفه بعد.
وإن كان رفض الثنائي الشيعي لاسم جوزف عون يرتبط وفق مصدر ديبلوماسي متابع، بالمعادلة القائمة ودور الجيش، وأنه المرشح الأبرز أميركياً ولدى دول عدة، فإن ذلك أقصر الطرق لإعطاء إسرائيل الذرائع المطلوبة لتكثيف اعتداءاتها. وكأن "حزب الله" نسبة إلى كلام قاسم يسلط الاتهامات على دور الجيش والذين يدعمون عون للرئاسة بأنهم يروّجون لهزيمة "حزب الله" وانكساره واستثماره في الداخل.
إن كان لبنان تبلّغ بضرورة الالتزام بالمسارات المحددة دولياً ومنها اتفاق وقف النار الذي تخرقه إسرائيل وتضع شروطاً لانسحابها الذي لوّحت بتمديده إلى ما بعد الستين يوماً وهي تحاول فرض أمر واقع في المنطقة عبر الضغط العسكري، فإن أمر انتخاب الرئيس بات ملحّاً لمواجهة ما يجري بالتنسيق مع الدول المعنية بلبنان. فإسرائيل تستغل الفراغ القائم في الرئاسة والفوضى اللبنانية لتوسيع سيطرتها والضغط على "حزب الله" الذي تتهمه بأنه يرفض تسليم سلاحه في جنوبي الليطاني، فيما يعتبر الحزب أن الخروقات هي محاولة لمحاصرته في الداخل اللبناني بما يعني أن إسرائيل بالتنسيق مع الأميركيين تتدخل بالشأن الرئاسي لإيصال مرشح يعمل على نزع سلاح المقاومة وتغيير التوازنات.
ووفق رؤية الحزب التي بات يعبّر عن موقفه على أكثر من خط، ما أعلنه أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، عندما قال في ذكرى قاسم سليماني إن الإلغائيين لا فرصة لهم، و"المستقوون بالأجانب لا يستطيعون تمرير هذا الاستحقاق باستقوائهم"، فإنه يطوّق الاستحقاق من مداخل عدة. بيد أن الأخطر رفعه الفيتوات وبتأكيد خياراته كما كانت قبل 8 تشرين الأول 2023 أي قبل حرب الإسناد، مجدداً نظرية الانتصار ومعادلة الردع بقوله إن "قيادة المقاومة هي التي تُقرّر متى تُقاوم وكيف تُقاوم والسلاح الذي تستخدمه"، محمّلاً الدولة مسؤولية المتابعة مع الرعاة لتكفّ يد إسرائيل ويُطبّق الاتفاق. وبذلك يواجه "حزب الله" الرافعة الدولية للاستحقاق برفضه إيصال مرشح يتولى تنفيذ الاتفاق وينزع "الذرائع" التي تعمل إسرائيل على استدراج الحزب ولبنان عبرها لتمديد حربها وسيطرتها.
مع الزيارة المفترضة لهوكشتاين والجولة السعودية والحراك الفرنسي، سيكون ملف الانتخاب الرئاسي على النار، لكن وفق المعادلات القائمة داخلياً وخارجياً قد تتعطل الجلسة بفعل الفيتوات، وتؤجل الى وقت لا يمكن الجزم بتحديد موعد له قبل أن تنضج اتفاقات جديدة تلقي بثقلها على الاستحقاق. والواضح أن المواقف التي أدلى بها قاسم تعزز من احتمال تطيير الجلسة، وهي ترتبط أيضاً بالوضع في الجنوب واتفاق وقف النار، فمقابل الاندفاعة الإسرائيلية العدوانية هناك تشدد إيراني يعكسه "حزب الله" بتأكيده المباشر أنه يريد ضمانات سياسية لحماية مكاسبه ودوره. هذا الواقع سيؤدي إلى محاصرة لبنان ووضع ملف الإعمار في الأدراج وممارسة ضغوط على الدولة، وقد يؤدي ذلك إلى صراع على التركيبة والنظام السياسي ولا سيما إن لم تحسم الإشارات الخارجية مسار الجلسة. والأخطر أن تطويق الرئاسة سيعصف باتفاق وقف النار ويزيد من حجم المأزق جنوباً ومن التدخلات الخارجية والعبث الإقليمي بلبنان.




